أسعار الكهرباء المنزلية، مؤشّر على تفاوت السياسات العامة


د. مصطفى ناجي:
يثبت التفاوت في سعر الطاقة الكهربائية المنزلية بين محافظات الجمهورية اليمنية الواقعة ضمن نطاق الحكومة (الشرعية) تكريس سياسات تمييزية لا تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية أو الرعاية الاجتماعية كواجب قانوني على الدولة.
كما يشير أيضاً إلى انزلاق البلاد نحو سياسات السوق المفتوحة، بما يحفّز الاستغلال والنهم الرأسمالي ويعكس استسلاماً لجشع المتربحين.
وفقاً لموقع وزارة الكهرباء في عدن، يتراوح السعر بين 6 إلى 19 ريالاً يمنياً للكيلوواط.
عملياً، تتباين الأسعار على النحو التالي:
(حوالي 7 ريالات في عدن، و9 في مأرب، وارتفاعاً إلى 17 ريالاً في حضرموت، و60 ريالاً في المخا، وصولاً إلى 950 ريالاً في تعز، في حين يبلغ نحو 450 ريالاً في مناطق الحوثيين. ومع فارق قيمة العملة، يصبح سعر الكيلوواط في صنعاء أعلى من نظيره في تعز).
هذا التفاوت، بقدر ما يبدو نتيجة طبيعية للامركزية وتعثر إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد الانهيار الكبير في 2015، يؤكد في الواقع تعدد السلطات وتآكل السيادة.

يرسخ الاستمرار في هذا الوضع، والتغاضي عنه، وعدم فرض سياسات عادلة لتوزيع المشاريع الخدمية والمساعدات الخارجية بين مختلف المحافظات، نزعة احتكارية في إدارة الموارد والسلطة، ويوجّهها بشكل جهوي.
لم يعد هناك يمن، بل جهات ت تجر السلطة والمنافع وتوجه الخدمات بصورة أنانية وخارج حسابات المعركة الوطنية.

إن “أنانية الجهة” تعيد إنتاج مراكز النفوذ والمراكز المقدسة، وتستحضر تجارب الماضي، وتخلق بؤر حرمان تمثّل قنبلة موقوتة أمام أي مشروع لبناء الدولة اليمنية.

هذه الديناميكية هي الخاصرة الرخوة التي تنفذ منها التدخلات الخارجية وتعيق مسار الاستقرار والتعافي لقدرتها في الاستثمار السياسي والأيديولوجي البطيء في الاحساس بالحرمان.

تعز تحت العقاب المزدوج

تبدو أسعار الكهرباء في تعز لافتة للنظر بشكل كبير، إذ إن الفارق الواسع في السعر—خصوصاً في مديريات تعز الواقعة ضمن نطاق الحكومة (الشرعية)—يعكس واقعاً إدارياً وسياسياً مقلقاً.
في الواقع، فإن الكهرباء المتوفرة ليست حكومية، بل تُدار عبر قطاع خاص استثمر الشبكة العمومية وانخرط في مشاريع بيع تجارية، ويُقال إن معظم المتربحين منه على صلة أو شراكة مع قيادات عليا مسيطرة على المحافظة (باستثناء المخا، التي تبدو وكأنها كيان منفصل نسبياً).
وهذا يعني أن عشر سنوات في تعز “المحررة” لم تُترجم إلى بناء مؤسسي فعّال، بل ارتبطت بمظاهر فساد وسوء إدارة.
من جهة أخرى، وبينما شهدت محافظات حكومية أخرى تعدداً في مشاريع الطاقة، لم تنل تعز نصيباً يُذكر من المشاريع الخارجية، رغم أنها من أكثر المحافظات كثافة سكانية. هذا التفاوت في توزيع المساعدات يشير إلى وجود سياسات حرمان من جهة، وربما شكل من أشكال العقاب غير المعلن من جهة أخرى.
كما يعكس ذلك فشلاً واضحاً في أداء السلطة المحلية، خاصة في ما يتعلق بجذب وتنفيذ مشاريع خدمية.
النقطة الأهم أن هذه المنطقة تُركت لتواجه مصيرها بمفردها، في ظل ما يشبه حربين:
حرب مع الطرف الذي يحاصر المدينة، وحرب أخرى مع الإهمال من قبل الحكومة والسلطات المحلية التي لم تضطلع بمسؤولياتها.

بذل ناشطون في تعز، وعلى رأسهم نائف الوافي ، جهوداً كبيرة لإعادة تشغيل المحطة الكهربائية، إلا أن تلك الجهود ذهبت سدى ولم تلقَ الاستجابة المطلوبة.
ويُعدّ ذلك دليلاً واضحاً، أولاً، على وجود فجوة عميقة بين القوى الاجتماعية والسلطة، وعلى محدودية قدرة العمل الناشطي في إحداث تحسين فعلي في الأوضاع، بما يعكس غياب ديناميكيات المشاركة المجتمعية والدمقرطة.
كما يشكّل دليلاً إضافياً على عدم اكتراث السلطات—وفي مقدمتها المحافظ—بمشكلات المحافظة، وعجزها عن التفاعل الجاد مع المبادرات المجتمعية.

في الأخير، تكشف أزمة الكهرباء من خلال التسعيرة غير الموحدة  عن نموذج صارخ لاختلال السياسات العامة في اليمن، حيث يتقاطع التفاوت السعري الحاد مع غياب الدولة وتحول الخدمة إلى مجال للاستثمار غير المنظم المولّد للفساد. ولهذا يتجلى في أعيننا فشل مزدوج نابع من فشل بنيوي في العدالة التوزيعية للمشاريع وتلبية الاحتياجات وتوجيه الموارد بين مختلف المحافظات، وفشل فاضح في الإدارة المحلية في حماية المصلحة العامة وجذب المشاريع الخدمية خصوصاً في تعز

وتقدم محافظة تعز “المحررة” والمسلوبة الإرادة تجربة بليغة حول محدودية تأثير الجهود المجتمعية في ظل فجوة عميقة بين المجتمع والسلطة، ما يعمّق الإحساس بالتهميش ويقوّض أي مسار نحو المشاركة والدمقرطة.

في المحصلة، تُترك تعز لمواجهة أزمتها وحيدة، بين حصار خارجي وإهمال داخلي، في وضع ينذر بتكريس مزيد من الاختلالات التي تعيق بناء الدولة.

د. مصطفى ناجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى